سليمان بن يوسف

Capture d’écran 2018-06-08 à 15.16.25

قبل الكلام:

سأل الممكن المستحيل: أين تقيم؟ فأجابه: في أحلام العاجز.

1-هل ننهض من جديد؟..

هل نملك طاقة العودة من جديد لسطح الحياة، ودور الفعل والإنتاج الحضاري بعد طول سقوط؟

هل يتسنى للعرب التحرك يوما خارج نطاق السلبية والاتباع والاجترار؟

هل يملك حقا إرادة الحياة، ويعرف من أين يبدأ؟

في كتابه شروط النهضة شبّه مالك العالم الإسلامي بمريض دخل صيدلية، فيعالجه السياسي بما ظهر من أعراض أمراضه السياسية والفقيهُ بما ظهر من أعراض أمراضه العقائدية فهو يتعاطى حبة هنا ضد الجهل وقرصا هناك ضد الاستعمار ويتناول عقارا يشفي من الفقر، ولكن لا خيط ناظمَ يذهب إلى أصل الأدواء و مبعثِها ليشتغل عليه بدل الانغماس في علاج الأعراض.

يؤكد بن نبي أن الحضارة هي التي تلد منتجاتها وليس العكس، فليس واجبا لكي ننشئ حضارة أن نشتري كل منتجات حضارة أخرى فذاك ممتنع كما وكيفا، فحتى يركِّب العالم الإسلامي حضارتَه في زمانه هذا وجب عليه أن يرجع إلى تلك الصيغة التحليلية التي تصنع كل ناتج حضاري.

كان بن نبي في كتبه التي ألفها يحاول دائما أن يجد في كل مرة الجواب، أو جزءا منه، لأسباب تخلف الأمة العربية الاسلامية، وتوصل إلى أن “القابلية للاستعمار”، هي السبب الأساسي لتخلفها، وهو مصطلح انفرد به بن نبي، في كتابه “شروط النهضة” الذي أصدره من فرنسا عام 1948 باللغة الفرنسية.

ففي الوقت الذي كان فيه رجال الفكر والدعوة المسلمون يدعون إلى تجديد الفكر الديني، بتجديد الدراسات الفقهية وعلمي التوحيد والسلوك، وإلى الثورة على الاستعمار الذي كان سببا في تخلفنا، وإلى ما هنالك من القضايا الظاهرة في حياتنا، كان بن نبي يدعو إلى البحث في أسباب كل ذلك، للوصول إلى إعادة صياغة الفرد المسلم، ومنه إلى صياغة المجتمع برمته؛

تحلَّى مالك ابن نبيّ بثقافة منهجيَّة، استطاع بواسطتها أن يضع يده على أهم قضايا العالم المتخلِّف، فألف سلسلة كتب تحت عنوان ” مشكلات الحضارة” بدأها بباريس ثم تتابعت حلقاتها في مصر فالجزائر.

وظل التخلف بالنسبة لمالك بن نبي هو نتيجة لمرحلة طويلة من الانهيار في عالم الأفكار والثقافة، وهاته المرحلة الطويلة من التخلف، يسميها مالك بن نبي مرحلة ما بعد الموحدين.

2-مؤشرات عربية..

نحن قوم عواطف وأدب وشعر وخيال؟؟؟

نادرة هي المؤشرات لتي تنتجها مؤسسات البحث العربية، على أهميتها..

أعلن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة اليوم عن نتائج المؤشر العربي 2017/ 2018 الذي نفّذه في 11 بلدًا عربيًا، هي: موريتانيا، والمغرب، وتونس، ومصر، والسودان، وفلسطين، ولبنان، والأردن، والعراق، والسعودية، والكويت.

وشمل الاستطلاع 18830 مستجيبًا ومستجيبة أُجريت معهم مقابلات شخصية وجاهية ضمن عيّناتٍ ممثّلة للبلدان التي ينتمون إليها، بهامش خطأ يراوح بين 2 و3%. وقد نُفِّذ هذا الاستطلاع الميداني بين كانون الأول/ ديسمبر 2017 ونيسان/ أبريل 2018. ومن الجدير بالذكر أنّ هذا الاستطلاع في نسخته السادسة هو أضخم مسحٍ للرأي العام في المنطقة العربية؛ سواء كان ذلك من خلال حجم العينة أو عدد البلدان التي يغطيها أو محاوره. وقد شارك في تنفيذه 865 باحثًا وباحثة، واستغرق التنفيذ نحو 45 ألف ساعة، وقطع الباحثون الميدانيون أكثر من 700 ألف كيلومتر من أجل الوصول إلى المناطق التي ظهرت في العينة في أرجاء الوطن العربي. ومن المعروف أن استمرار تنفيذ هذا الاستطلاع الضخم إضافة إلى تعدد موضوعاته جعل بياناته مصدرًا مهمًا للمؤسسات البحثية العربية والدولية وللأكاديميين والخبراء.

المؤشر العربي هو استطلاعٌ دوري ينفّذه المركز العربي في البلدان العربية؛ بهدف الوقوف على اتجاهات الرأي العامّ العربي نحو مجموعة من الموضوعات: الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، بما في ذلك اتجاهات الرأي العامّ نحو قضايا الديمقراطية، والمشاركة السياسية. ويتضمن المؤشر تقييم سياسات قوى دولية وإقليمية نحو المنطقة العربية.

3-بصمات المنجرة..

شيعت قبل أربع سنوات بمقبرة الشهداء بالعاصمة المغربية الرباط جنازة المفكر وعالم المستقبليات المغربي المهدي المنجرة الذي وافته المنية عن سن يناهز 81 عاما بعد معاناة طويلة مع المرض.

وكانت مجموعة من طلبته ومحبيه وأصدقائه قد أطلقوا عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك حملة لمساندة الفقيد في محنته مع المرض والإقصاء، خاصة بعد دخوله مرحلة صحية حرجة فقد معها القدرة على الكلام والحركة.

ويعتبر الراحل أحد أبرز المفكرين الذين أنجبتهم الأمة الإسلامية في العصر الحديث نظرا لدفاعه المستميت عن القيم الإنسانية ومساندته المقهورين في كل أنحاء العالم، وتبنيه القضايا الفكرية والسياسية المناهضة للعنف والإقصاء والتجبر وتسخير البشر من أجل المصلحة الشخصية.

وعانى المنجرة بسبب مواقفه هذه حصارا كبيرا دون أن يلين أو يتراجع عن مواقفه.


واشتهر الراحل بمقالاته وكتبه الرصينة التي نظرت لمجموعة من الطروحات والقراءات المستقبلية للآفاق السياسية والاجتماعية في العالم العربي الإسلامي، وكان من القلائل الذين تنبؤوا بسقوط بعض الأنظمة العربية، وبقيام انتفاضات شعبية في بلدان العالم العربي قبل عقدين من الزمن من حدوث الربيع العربي.

 »
من أبرز مؤلفات المنجرة كتاب « نظام الأمم المتحدة » و »من المهد إلى اللحد » و »الحرب الحضارية الأولى » و »حوار التواصل » و »انتفاضات في زمن الديمقراطية » و »الإهانة في عهد الميغا إمبريالية »، وآخرها كتاب « قيمة القيم »
« 

ولد المهدي المنجرة سنة 1933 بالرباط، وتابع دراسته بالولايات المتحدة ثم التحق بجامعة كورنيل بنيويورك بين 1950 و1954 حيث حصل على الإجازة في العلوم السياسية، وانتقل إلى مدرسة لندن للاقتصاديات والعلوم السياسية التابعة لجامعة لندن بين 1954 و1957، ومنها حصل على الدكتوراه في العلوم الاقتصادية والعلاقات الدولية قبل أن يلتحق بجامعة محمد الخامس كأول أستاذ محاضر مغربي بكلية الحقوق.

وشغل المهدي المنجرة بعد ذلك عدة مناصب علمية دولية، منها: مستشار أول في الوفد الدائم للمغرب بهيئة الأمم المتحدة خلال الفترة (1958-1959)، وأستاذ محاضر وباحث بمركز الدراسات التابع لجامعة لندن (1970)، وشغل باليونسكو مناصب قيادية عديدة (1961-1979)، وشغل إلى جانب ذلك منصب منسق لمؤتمر التعاون التقني بين الدول الأفريقية (1979-1980)، وخبير خاص للأمم المتحدة للسنة الدولية للمعاقين (1980-1981)، ومستشار مدير مكتب العلاقات بين الحكومات للمعلومات بروما (1981-1985)، ومستشار الأمين العام للأمم المتحدة لمحاربة استهلاك المخدرات.

وترأس المفكر الراحل الفدرالية العالمية للدراسات المستقبلية (1976-1981) ثم شغل عضوية لجنتها التنفيذية، وترأس الجمعية الدولية للمستقبليات (فوتوريبل)، وشغل عضوية الجمعية المغربية للمستقبليات، والمجلس التنفيذي للجمعية العالمية للتنمية (1985-1988)، وأكاديمية المملكة المغربية، والأكاديمية العالمية للفنون والعلوم، والأكاديمية الأفريقية للعلوم، والأكاديمية الأوروبية للعلوم والفنون والآداب، والجمعية العالمية للمستقبل، والاتحاد العالمي للمهندسين المعماريين، ومنتدى العالم الثالث، ونائب رئيس جمعية الصداقة بين المغرب واليابان.

وصرحت الباحثة والأديبة زهور كرام بأنه « في زمن التباس اللحظة العربية يرحل المفكر المغربي الكبير المهدي المنجرة الذي كان يناضل بأفكاره من أجل تعليم منتج وليس فلكلوريا، وتنمية اقتصادية ترقى بكرامة الإنسان، واستثمار التكنولوجيا لصالح المجتمع ».

وأضافت الباحثة أن المنجرة « كان يناضل بفكره، وهو الذي خبر المنظمات الدولية وعرف مواقفها الحقيقية، وانتقدها في كتاباته »، وأنه « كان نموذجا للمثقف العضوي المنخرط في المجتمع بمواقفه وآرائه »

4-قادة العقل العربي..

ما الذي يحدد تركيبة العقل العربي، ويضبط إيقاعاته ونسق حركته؟

جواب البعض يمر عبر الفن وكرة القدم ورغبات ونزوات و..

هل هذا يعني ضحالة الثقافة، وغياب معالم مميزة لثقافة عربية متجددة؟

فطبيعة التكوين العقلي في حضارة ما يرتبط بما أطلق عليه الدكتور محمد عابد الجابري (الجنسية الثقافية) وهو قاعدة عرفية تقتضي أن المثقف لا ينتسب إلى ثقافة معينة إلا إذا كان يفكر بداخلها والتفكير داخل ثقافة معينة لا يعني التفكير في قضاياه فحسب، بل التفكير بواسطتها بمعنى التفكير من خلال منظومتها المرجعية التي تتشكل من محددات هذه الثقافة ومكوناتها وفي مقدمها الموروث الثقافي والمحيط الاجتماعي. والعقل العربي بوصفه عقل الثقافة العربية الإسلامية تتمحور العلاقات بداخله حول ثلاثة أقطاب: الله- الإنسان- الطبيعة، إلا أن العلاقات تشهد حضوراً كثيفاً أولاً لله ثم للإنسان. أما الطبيعة فهي تسجل غياباً نسبياً لربما بدرجة غياب الله في بنية العقل اليوناني الأوروبي. فالطبيعة تقوم بدور المعين في الفكر العربي من أجل التعرف إلى الله وتعميق الإيمان به وهو ما تقوم به فكرة الله في الفكر اليوناني الأوروبي، فهي تقوم بفكرة الوسيط من أجل تبرير مطابقة قـوانين العقل لقوانين الطبيعة. فهي توظف لإعانة العقل من أجل اكتشاف الطبيعة. والرواقيون رأوا أن الحكمة هي في العيش وفق الطبيعة.

في هذا السياق يسجل الشهرستاني أن العرب والهنود يميلون إلى تقرير خواص الأشياء والحكم بأحكام الماهيات والحقائق واستعمال الأمور الروحانية. أما الروم والفرس فأكثر ميلهم إلى تقرير طبائع الأشياء والحكم بأحكام الكيفيات والكميات واستعمال الأمور الجسمانية. هذا النسق الأخلاقي ينطلق من رؤية كونية للشريعة الإسلامية للوجود الإنساني هو حضوره في عالمين متصلين عالم الشهادة وعالم الغيب، فكما أنه محاط بعالم المادة هو في الوقت ذاته بما وراء العالم المادي. بل إن إحاطة الأخير تفوق إحاطة الأول لأن الإنسان لا تنحصر ذاته في النفس المرتبطة بوجوده المادي بل تتعداها إلى الروح ولا تتوقف عن عالم البصر بل تتعداها إلى عالم البصيرة.

هذه الرؤية تختلف عن التقليد العلماني الذي أراد الفصل بين الوجود المرئي للإنسان ووجوده غير المرئي، تأكيداً للوجود الأول متناسياً أو متغافلاً عن الوجود الثاني. لذلك يمثل حضور التقليد الأخلاقي في بنيات الوعي العربي العام إحدى سماته الرئيسية التي تشكل هويته وتحدد مسارات تجديده وفاعليته الحضارة، إلا أن إغفال هذا المكون الأخلاقي يجعل من الحداثة نسخاً فاقداً للإنتاج والإبداع ينحصر حضوره في الشكل من دون مضمون حقيقي.

*

ختامها بسمةقال أبو العيناء ( شاعر معروف ) : خطبت امرأة فاستقبحتني ، فكتبت إليها :

فإن تنفري من قبح وجهي فإنني  *  أريب أديب لا غبي ولا فدْم

فأجابتني : ليس لديوان الرسائل أريدك .

 

.