thumbnail_DSC_0420

تعلمنا الكتابة  والإبحار و السفر آلاف الأمتار وزعزعة نظام الأدغال ووشوشة سكون الأسحار, لست أول من كتب    ﻫﺫا الموضوع و لن أكون  الأخير فقد نظّّر الكثير من العلماء الغرب , و أسيل الكثير من الحبر في الحديث عن علم المستقبل أو ما يعرف بالاستشراف, هذا و قد تطرقت في مقال سابق إلى تبيان مفهوم السياسات العامة و الإستشراف والى علاقة الترابط و التكامل بينهما موليا التركيز على عامل الزّمن ,وعليه فإنه و بعد إذنك أخي القارئ سأقوم بدعوتك إلى جولة أخرى في رحاب هذا العلم و إلى مغامرة أخرى لنحطّ الرحال في البعد المكاني .

 القيام بدراسات مستقبلية كالمشي في أرض مجهولة و بالتالي التواجد في إطار مكاني معين إلي جانب الإطار الزّمني شيء لابدّ منه.

في مقالنا هذا المقصود بالبعد المكاني هو الفضاء الذي يسلّط الإستشراف عليه الضوء,و هوعبارة عن تموقع جغرافي ذوا إمتداد ترابي محدود  يعيش عليه مجموعة من البشر, عاداتهم الإجتماعية مبنية على قواعد,قوانين ,ثقافة,طريقة تنظيم سياسي و مؤسسي, ففي تونس مثلا  يمكن تصنيف السياسات العامّة حسب معيار المجال الجغرافي اذ يمكن أن تكون السياسة محلية,جهوية أو وطنية

الإستشراف كما هو علم هو كذلك نظرية ,وبالتالي هي أدوات إجرائية لفك تعقيدات الواقع في إطار مكاني معيّن من خلال تسليط الضوء عليه, بوصفه كذلك برنامج تغيير و إصلاح يساعد على تنظيم هذا الواقع و التغلب عليه و كما قال Pierre MASSé  في كتابه Prévision et prospective : الإستشراف هو البحث عن التغيير .

التغيير داخل النّظام

تحتوي كل جهة أو إقليم مثلا على مزيج نوعي لأنظمة مختلفة و نظم فرعية قطاعية متلازمة في شكل نسيج الى درجة التعقيد وبذلك لا يمكن الإبحار في فلك التغيير دون الإشارة و المرور عبر بعض المفاهيم ,إذ لابد مثلا من معرفة آن الإستشراف كما يعتمد على المدى الطّويل أي الأخذ في الاعتبار طول المدّة ثمّ الحركة أي  الإرادة الإستراتيجية في التّغيير  يعتمد كذلك على مبدأ النظامية و التي عرّفها Serge DIEBOLD في كتابه « Le petit lexique des termes  de la complexité » بأنها من العلوم التي تهدف إلى تطوير أساليب النمذجة للظواهر التي تصور على أنها معقدة مثل النّظام, و بالتالي في الأنموذج النظامي يكون النظام بحسب J-M LEMOIGNE في كتابه  «« Théorie du système généra »l عبارة عن كائن في بيئة، ، لديه أهداف  يمارس نشاط وترى هيكله الداخلي يتطور مع الوقت، دون فقدان هويته الفريدة  ليكون بذلك نموذج التغيير داخل النّظام حسب Kurt Lewin وEdgar Morin ليمر بثلاث مراحل ألا وهي1) الاضطراب و هي الفترة التي يتساءل فيها النظام عن محصلاته,عاداته و تصرفاته وبالتالي الأطراف الفاعلة تتحرك 2) التغيير أو الانتقال وهي الفترة التي تكون فيها التصرفات و المواقف غير ثابتة و متناقضة و بالتالي الأطراف الفاعلة تجرب و تعتمد البعض 3) إعادة التبلور أو إعادة التنظيم وهي الفترة التي يعمم فيها النظام  السلوكيات الرائدة المعتمدة في الوضعية الجديدة و يوفق فيها العادات الجديدة .

ولابد من الإشارة أن هذا التغيير كان نتاج لتجنيد الذّكاء الجماعي فهو كما قال Michel CROZIER في كتابه   « L’acteur et le système » :التغيير هو مسار جماعي جندت لأجله ثروات وطاقات المشاركين لتأسيس لعبة جديدة تمكن النظام من التوجه أو إعادة التوجه كانسجام بشري و ليس كآلة .

 

الحوكمة الجماعية  متعددة المستويات

  • يعرف برنامج الأمم المتحدة للتنمية ,الحوكمة بأنها ممارسة السلطة العامة والاقتصادية والإدارية لغرض إدارة شؤون بلد ما. وهي تستند إلى الآليات والعمليات والمؤسسات التي تسمح للمواطنين والجماعات بالتعبير عن المصالح وحل النزاعات والحصول على الحقوق والواجبات. و بالتالي وفي أنموذجه, بوّب,الدّولة,القطاع الخاصّ و المجتمع المدني كالرّكائز الثّلاث للحوكمة حسب مهام كل ّمنهم و بالتّالي تعزيز التفاعل بين هذه الأطراف هو جوهر الحوكمة الرّشيدة.

الحوكمة الرشيدة أساس السياسات العامة

1

في تفاعل هذه الأطراف فيما بينها هو تفاعل داخل المجال الجغرافي في تعدد مستوياته من المحلي إلى الجهوي ثم الوطني و على هذا الأساس تكون عملية الإستشراف .

وبذلك تجدر الإشارة إلى أن الأنموذج الجديد للحوكمة بمواصفاته هذه جاء ليعوّض الإدارة العمومية التقليدية ,بالإضافة إلى ذلك يمكن القول أن الإستشراف مسجل في الحوكمة على أنه أرضها المفضلة بالنسبة للجهات و كذلك للمنشآة و المنظمات, و من المحتمل أن تكون الطريقة المفضلة للوصول إلى التنمية المستدامة و التي بطبيعتها تستدعي التغيير, و لتقود في هذه المرحلة المسماة بالإنتقالية .

الحوكمة الرشيدة القائمة على الإستشراف تأخذنا إلى تكوين رؤية جماعية لتشمل مشاريع جهوية مثلا ,ولا يكون ذلك إلا عن طريق الإستراتيجيا و التي عرّفها  Michel Godet على أنها « جملة قواعد القيادة للفاعل تمكنه من الوصول إلى أهدافه و مشروعه « , و بالتالي يمكن المراهنة أن الإستشراف سيكون شيئا فشيئا استراتيجي لأنه أمام تغيرات بيئتهم سيجد الفاعلون أنفسهم شيئا فشيئا مجبرين على أخذ مستقبلهم بيدهم .

2

الثورة التونسية

أفرزت ما يعرف بالثورة التونسية عديد الإخلالات على مستوى التنمية الجهوية ترجمت بالتباين بين الجهات ,مما أصبح العمل على كسر الحلقة المفرغة ضرورة ملحة و ذلك بتغيير نموذج التسيير القائم على الحوكمة الرشيدة بآعتماد  ما يعرف باللامركزية لدعم الحكم المحلي  والتي تتجسد في جماعات محلية تتكون من بلديات وجهات وأقاليم تتمتع بالشخصية القانونية و بالاستقلالية الإدارية و المالية  وتدير المصالح المحلية وفقا لمبدأ التدبير الحر و لتدير هذه الجماعات مجالس منتخبة , و بالتالي يعتمد الاستشراف هنا كأداة لصنع القرار و بناء السياسات العامة وذلك استئناسا بالتجارب المقارنة التي أثبتت فاعليتها في عديد الدول و  تأثرا بالمتغيرات على الصعيدين الوطني و الدولي و تماشيا مع ما نص عليه دستور الجمهورية التونسية لسنة 2014 في توطﺌته تأسيسا لنظام جمهوري ديمقراطي تشاركي , و اعتمادا على المقاربة المبنية على حقوق الإنسان في مجال التصرف العمومي .

بقلم :محمد بشير الجويني

  خبير السياسات العامة و الاستشراف