من يتحكم في بورصة الإعلانات؟

من يحمي المستهلك، متى تنصف الصحافة المكتوبة؟

يمثل الإشهار واحدا من القطاعات التي ما انفكت تتوسع وتتمدد في كل الاتجاهات مع ما تحمله من عائدات للمؤسسات المتدخلة، وخدمة للمؤسسات الاقتصادية، ودعم للتشغيل، وتوظيف لأحدث تقنيات الاتصال والإعلان، دون إغفال أوجه سلبية ومضاعفات متعددة لهذا التوسع الجنوني للإعلانات التي اكتسحت الساحات العامة والقنوات الإذاعية والتلفزية وشبكات التواصل وغيرها، بعيدا عن سلطة الرقيب وهيئات التعديل وحماية المستهلك، رغم بعض المحاولات والمبادرات المحتشمة والمتعثرة.

هل تعذرت رؤية الهيئات التعديلية، ولمعنية بتأمين توزيع عادل للإعلان العمومي على لاصحافة المكتوبة؟

هل بات المستهلك متروكا لأمره، أمام حمى المنافسة الإشهارية المحمومة؟

هل بات التنين الإشهاري، خارج السيطرة، نهائيا؟

وزن مالي وإقتصادي هائل..

Capture d’écran 2018-06-08 à 15.08.51
بلغت العائدات الخام للإشهار في قطاع الإعلام خلال سنة 2016 مبلغ 219 مليون دينار كان نصيب القنوات التلفزية منها 135 مليون دينار فيما تحصلت الإذاعات على 35 مليون دينار، حسب أحدث دراسة لمؤسسة سيغما كونساي.

ولاحظ مدير المؤسسة حسن زرقوني في تصريح إذاعي مطلع السنة الماضية، تراجع مداخيل الإشهار بالنسبة للصحافة المكتوبة بنسبة 10 بالمائة، معتبرا أن هذه الظاهرة عالمية، فيما سجّلت الصحافة الالكترونية زيادة في مداخيل الإشهار بمليون دينار مقارنة بسنة 2015 لتبلغ 7 ملايين دينار، وفق قوله.

وأشار مدير مؤسسة سيغما كونساي خلال مؤتمر صحفي في العاصمة أن قطاع الاتصالات والانترنت والعلامات الخاصة بالمنتوجات الغذائية استحوذا خلال سنة 2016 على حوالي 50 بالمائة من إجمالي المحتوى الإشهاري يليهما قطاع النزل والسياحة الداخلية

سيغما..بريئة؟؟

لم يشر الزرقوني، إلى الدور الخفي الذي تلعبه بعض مؤسسات سبر الآراء في خدمة الإشهار، والتنسيق غير المعلن مع بعض المؤسسات والعلامات، للتأثير في أسهم بعض المنتجات إن صعودا أو هبوطا.

ربما من قبيل المصادفة، وبمناسبة فعاليّات ملتقى Open Sigma 2018 , كشفت مؤسّسة Sigma Conseil نهاية الأسبوع الفارط, على لسان رئيسها السّيد حسن الزّرقوني, عن جملة من الأرقام و الإحصائيّات المبنيّة على سبر آراء عامّ , تمّ إجرائه على إمتداد عام 2017 و بدايات سنة 2018.  و في هذا الإطار, كشفت المؤسّسة في تصنيف خاصّ بمشغّلي الإتّصالات التّونسييّن, أنّ المشغّل الرّائد أوريدو قد إحتلّ صدارة الشّركات و المؤسّسات الأكثر إنفاقا في مجال الإشهار في وسائل الإعلام المختلفة.

شركة Ooredooo Tunisie تموقعت في المركز الأوّل ب6.7 مليون دينار, كقيمة إستثمار في مجال الإشهار على مختلف وسائل الإعلام المرئيّة و المسموعة و المكتوبة و الإلكترونيّة و غيرها, متقدّمة على المشغّل الوطنيّ, إتّصالات تونس, (4.5 مليون دينار) , ثمّ المشغّل أورانج تونس (3.1 مليون دينار) , في حين لوحظ تواجد شركة Condor التّكنولوجيّة الجزائريّة لأوّل مرّة في هذا التّصنيف, بإنفاقها لمبلغ جمليّ حدّد ب1.4 مليون دينار منذ حلولها رسميّا في تونس العام 2016.

Capture d’écran 2018-06-08 à 15.08.57

تنوع مؤسساتي، وحشد « عمالي »

من بين 100 شركة: 5 وكالات إشهار تحتكر نصف السوق المحلية.. وشركات الاتصالات من أبرز المستشهرين

يضم قطاع الإشهار في تونس نحو الـ100 شركة ووكالة إشهار من بينها 5 شركات فقط تحتكر 50% من السوق المحلية.

ويشغل القطاع في مجمله، وفق ما أوردته صحيفة الصباح مال وأعمال قبل سنتين،، ما يزيد عن 5 آلاف موظف ناشط، كما عرفت الاستثمارات في القطاع تزايدا ملحوظا حتى بلغت مؤخرا وفي الفترة المتدة بين شهري جانفي وسبتمبر من السنة الجارية ما يناهز الـ242 مليارا، حسب المعطيات التي اعدتها شركة « سيغما كونساي » لسبر الآراء وجمع الأرقام والمؤشرات الخاصة بمختلف القطاعات في البلاد.

وكشف الأرقام والاحصائيات التي أعدها المعهد الوطني للاستهلاك أن خمس شركات فقط من بين الـ100 شركة إشهار المذكورة تسيطر على السوق المحلية وتحتكرها رغم وجود قانون ينظم القطاع ويعمل على توزيع حص الاشهار ونظامها وتوقيت العرض والنشر عبر وسائل الاعلام وفي الفضاءات والمساحات المفتوحة مع تحديد المعاليم لذلك.

ويبلغ عدد الشركات المستشهرة حدود الـ20 شركة تسيطر على قطاع الاشهار عبر وسائل الاعلام المرئية منها والمسموعة وحتى الورقية والالكترونية خاصة في شهر رمضان، ابرزها شركات الاتصالات وعلى رأسها شركة اتصالات تونس باستثمارات تصل إلى حدود الـ82625976 دينارا، تليها الشركات المختصة في صناعة الحليب والأجبان والشركات المختصة في المعجنات بقيمة استثمارات في حدود الـ30738297 دينارا.

الإشهار و-إنقاذ- الصحافة المكتوبة، المحتضرة..

أجمع مختلف الباحثين والمتخصصين على أن واقع الصحافة المكتوبة في تونس يعاني من عدة أزمات، لا يمكن أن تتجاوزها بمعزل عن مساعدة الدولة، حيث يشكل الإشهار العمومي رافدا ماليا رئيسيا يضمن استمرارها. ولا يرى أهل الاختصاص أن هناك تعارضا بين دعم الدولة لوسائل الإعلام ومصداقية هذه الأخيرة إذا ما تم وفق ضوابط وشروط محددة، بمقتضاها تقوم كل جهة بواجبها؛ بل إن دور الدولة ضروري لضبط هذا القطاع من خلال تعامل الصحف والمواقع الإلكترونية بعدل في توزيع الإشهار، وبما يقطع مع اختراق رجال الأعمال للقطاع لأن ذلك سيحوله إلى خدمة أجندات الأشخاص وبالتالي اختفاء المؤسسات الرائدة.

السلطة الرابعة تحتاج إلى من يسمع صوتها

يعتبر الإشهار العمومي المتنفس المالي الرئيسي لأغلب وسائل الإعلام المكتوبة، في تونس، والضامن لديمومتها، والمجلات واستمرارها. وتأكدت أهمية هذا الرافد المالي الذي كان يأتي عن طريق وكالة الاتصال الخارجي التي تم غلقها مع انهيار نظام زين العابدين بن علي.

واليوم، تعيش الصحافة التونسية أسوأ فتراتها لتراجع القراء وتقلص نسبة السحب وغياب الدعم خاصة من مصادر المال العمومي المتأتية من الإشهار. وأقفلت صحف فيما تمر أخرى بأزمات مادية بالأساس قد ينتهي بها الحال إلى مصير شقيقاتها، خصوصا مع الطفرة التي تحققت في مجال الإعلام الرقمي.

ودفع هذا الواقع المسؤولين عن السلطة الرابعة في البلاد إلى بحث سبل تفادي الانهيار وتداعياته على التاريخ النضالي للصحافة التونسية وعلى العاملين في تلك المؤسسات المهددين بالالتحاق بطوابير العاطلين.

وقد سبق أن عقدت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين اجتماعا تشاوريا مع مديري مؤسسات الصحافة المكتوبة والهياكل المهنية والوزارات المتقاطعة في عملية الإشهار العمومي. وخلال اللقاء تمّ التأكيد على أن الإشهار العمومي الذي كان يمنح في السابق على أساس الولاءات لتطويع بعض وسائل الإعلام ومعاقبة أخرى، يجب أن يُبنى في هذه المرحلة على مقاييس واضحة وشفافة وعادلة تعتمد في المقام الأول على الالتزام بأخلاقيات العمل الصحافي.

ذكرت نقابة الصحافيين في بيان لها أنه تمتّ أيضا الإشارة إلى موضوع إسناد الإشهار العمومي في مرحلة الانتقال الديمقراطي بوصفها تتأسس على إنقاذ الصحافة المكتوبة من أزمتها، والانفتاح على الصحافة الرقمية وتشجيعها، وضمان صحافة الجودة وتنوع المحامل الإعلامية.

وقال فاهم بوكدوس، إن “الصحافة المكتوبة في تونس سواء كانت ورقية أو رقمية تعيش أسوة بعدد كبير من بلدان العالم أزمات عديدة يرجع بعضها إلى ارتفاع كلفة الطباعة والورق والتوزيع مقارنة بحجم المبيعات، واتجاه شركات الإشهار إلى الحوامل السمعية البصرية”.

وأغلقت عدة صحف بعد ثورة 14 يناير 2011 في تونس في حين تتجه أخرى إلى الإغلاق مما ستكون له تأثيرات كبيرة على صمود هذا القطاع الحيوي وتنوع المحامل الصحافيّة إضافة إلى المس الخطير بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعاملين في هذا القطاع، مما يجعل تدخل الدولة والمال العمومي ضروريا في هذا المجال.

ولفت بوكدوس إلى أنّ التمويل العمومي للصحافة المكتوبة يقترن بفلسفة الدولة في المرحلة الانتقالية بوصفها ضامنا لتعددية وتنوع هذا القطاع خدمة لجمهور مختلف الأذواق والقناعات الفكرية والأيديولوجية والسياسيّة بما يقتضيه من دعم للصحافة الجهوية والرياضية والاستقصائية وصحافة الرأي.

 

هيكل عمومي

تجاوبا مع خصوصية الوضع، أكدت الحكومة التونسية أنه تم الاتفاق على إحداث هيكل عمومي تحت إشراف رئاسة الحكومة، يتولى توزيع الإشهار والاشتراكات العمومية.

وأشار مفدي المسدي، المستشار الإعلامي لرئيس الحكومة، إلى أن الحكومة التونسية تتجه إلى حوكمة الإشهار العمومي في الصحافة المكتوبة وتعيين لجنتين الأولى تعنى بتحديد معايير الإشهار العمومي والثانية تتمثل مهامها كلجنة إسناد، وستكون الحوكمة قاعدة لضبط الإشهار وتوزيعه بشكل عادل وضمن شروط محددة وذلك للانتقال من صحافة الولاء إلى صحافة الجودة.

ويرى نوري اللجمي، رئيس الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، ضرورة دعم الصحافة المكتوبة المتراجعة على المستوى الدولي وليس المحلي فقط من خلال الإشهار، لذلك استوجب توزيعه بشكل عادل وبشفافية فتراجع السحب والمبيعات والقراء نتج عنه عجز في تغطية التكلفة، لذلك فإن الدعم المادي ضروري للدفاع عن ركيزة أساسية في السلطة الرابعة.

وفسّر نوري اللجمي، ، تراجع نجم الصحافة المكتوبة على المستوى المحلي والعالمي بتوجه القراء نحو وسائل إعلام أخرى كالصحافة الإلكترونية والتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي ما أدى إلى تقلص الإشهار على أعمدة الصحافة الورقية.

ومن الصعوبات التي تواجهها الصحافة المكتوبة في تونس تضاعف ثمن ورق الطباعة المستورد من الخارج وتبعا لذلك ارتفعت تكاليف الطباعة خاصة بالنسبة إلى الصحف والمجلات التي ليس لها مطابع خاصة بها. واعتبر مراقبون أن من أهم تحديات الصحافة المكتوبة في تونس التوزيع غير العادل للإشهار حيث لا يقع توزيعه حسب معايير موضوعية لتتقلص بذلك مساحاته، ولم تعد الصحافة المكتوبة تستهوي المستشهرين.

وكان حسن الزرقوني، المدير العام لمؤسسة سيغما كونساي للدراسات واستطلاعات الرأي في تونس، قدم العديد من الإحصائيات المرتبطة بتراجع واقع الصحافة المكتوبة في تصريحات سابقة وكشف أن 18.8 بالمئة من التونسيين لا يقرأون وبالتالي هم ليسوا زبائن للصحف.

ولفت الزرقوني إلى أن النموذج الاقتصادي للصحافة المكتوبة قائم على الإعلانات؛ ففي عام 2005 وصلت مداخيل الإعلانات بالصحافة المكتوبة التونسية إلى 30 مليون دينار تونسي، أي ما يوازي 15 مليون دولار، وفي خلال عشر سنوات انخفضت هذه المداخيل بنسبة 33 بالمئة.

 
 
 
 

وبخصوص إشكالية دعم الدولة للصحافة المكتوبة اعتبر الزرقوني أنّ “المشكلة (تكمن في) أنّ من يتمتعون بالإعانات هم ‘الكبار’ (أي المؤسسات الكبيرة)”، لأن لديهم الإمكانيات التي تسمح بالحصول على الإعانات. وأوضح أنّ أكبر مثال على ذلك ما وقع في فرنسا، فقد حصلت صحيفة لوموند على 18 مليون يورو من الإعانات “لأنها استطاعت تقديم ملف قوي سمح لها بالحصول على دعم رسمي من الدولة”.

تحديد المعايير ودعم الدول

يعتبر محمود الذوادي، رئيس تحرير جريدة الصحافة التونسية (حكومية) ورئيس مركز تونس لحرية الصحافة، أن دعم الصحافة المكتوبة من بوابة الإشهار كان مطلبا قديما يتجاوز العقدين. وقبل ثورة جانفي كان الإشهار خاضعا لوكالة الاتصال الخارجي ويمنح حسب ولاء وسائل الإعلام للنظام، أما بعد الثورة فقد طرح موضوع تحديد الإشهار بجدية؛ فالإشكالية اليوم هي غياب هيكل شفاف في تونس ينظم قطاع الإشهار العمومي.

ويشتكي أهل القطاع من الفوضى بالقطاع واليوم مطالبون بتقنين معايير المال العمومي واعتماد مقاييس محددة منها مدى التزام المؤسسات بالضوابط المهنية وأخلاقيات المهنة، والالتزام بالحقوق المادية للصحافيين، لذلك يجب تحديد المعايير لتجنب الفوضى ودعم الصحافة المكتوبة.

ورأى الذوادي أن على الحكومة أن تدعم الصحافة المكتوبة لدورها الكبير كسلطة رابعة في دولة تؤمن بالتعددية والديمقراطية وحرية التعبير. كما أن قطاع الصحافة المكتوبة يشغل الصحافيين المحترفين بنسبة 50 بالمئة، ويجب على الحكومة أن تقتدي بدول كالمغرب وفرنسا اللذين يدعمان صحفهما الورقية بالمليارات حتى تتجاوز الصعوبات. واعتبر أن المال العمومي هو الكفيل بدعم الصحافة المكتوبة وتوفير الضمانات المادية بنسبة 50 بالمئة من الصحافيين.

وكان مجلس نواب الشعب صادق خلال جلسته العامة المخصصة للمصادقة على مشروع قانون المالية لسنة 2017، على دعم مؤسسات الصحافة المكتوبة الورقية التونسية المضمن ضمن الفصل 64 من مشروع القانون في ديسمبر الماضي.

 

حتمية التنظيم وحماية المستهلك

أمام فوضى الإشهار والنمو الجنوني لقطاع الإعلان، تحركت منظمة الدفاع عن المستهلك، و نظم المعهد  الوطني للاستهلاك ورشة عمل حول الإشهار في تونس: بين التنظيم وحماية المستهلك  بمشاركة ممثلين عن مختلف الجهات المعنية من إدارة ومنظمات للدفاع عن المستهلك وهيأت تعديلية ومكاتب دراسات.

وذكر المدير العام للمعهد الوطني للاستهلاك أن الإشهار التجاري في السوق التونسية ما زال ضعيفا حتى بالمقارنة مع البلدان التي هي في مستواها التنموي حيث بلغت الاستثمارات في الإشهار التجاري في تونس حوالي 195 مليون دينار سنة 2014.

في المقابل تصل الاستثمارات في الإشهار التجاري في العالم إلى 520 مليار دولار. وتشير المعطيات التي قدمت إلى أن التلفزة تستحوذ على 50 بالمائة من العمليات الاشهارية في تونس وترتفع هذه النسبة إلى أكثر من 90 بالمائة بخصوص المواد الغذائية.

وأضاف المدير العام أن المستهلك التونسي أصبح يتعرّض لضغوطات كبيرة جرّاء الومضات الإشهارية. وأنه تم رصد عديد الإخلالات والتجاوزات تضمنتها بعض الومضات الإشهارية والتي لم تحترم الذوق العام وتحث على نمط استهلاكي مضر بالمستهلك، وفق تعبيره.

كما أشار مدير المعهد الوطني للاستهلاك في هذا الإطار إلى عدم تفعيل بعض النصوص القانونية على غرار كراس شروط الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري « الهايكا »، مضيفا أنه سيتم خلال هذه الورشة بالتعاون مع ممثلين عن المجتمع المدني والإدارة وهيئات وطنية، العمل على إيجاد أنجع السبل لضمان إشهار يضمن حماية المستهلك.

وشدد المسؤول بالهيأة العليا المستقلة للقطاع السمعي البصري /الهايكا/ هشام السنوسي على أهمية الإشهار التجاري بالنسبة لوسائل الإعلام ملاحظا انه مؤشر على حيوية السوق بقدر ما هو مؤشر على حيوية ونظافة وسائل الإعلام.

خال نفس الورشة أكد المشاركون على ضرورة تنظيم القطاع بالاستئناس بالتجارب المتقدمة قصد إضفاء المزيد من المصداقية على الإشهار التجاري في تونس وضمان الحماية اللازمة للمستهلك وخاصة شريحة الأطفال والمراهقين من الانفلاتات والتجاوزات وهي كثيرة حسب المشاركين رغم إن هشام السنوسي ذكر إن المواصفات التي تعتمدها الهايكا مستوحاة من الإجراءات التعديلية الذاتية التي يعتمدها المعلنون أنفسهم. فتم التأكيد على ضرورة تفعيل كراس الشروط والنصوص القانونية والترتيبية التي تضبط العمليات الاشهارية وتطويرها. فهناك مجالات يمنع فيها قانونيا الإشهار كالأسلحة والتبغ والكحول والشعوذة والتنجيم. غير أن الانفلاتات والتجاوزات تتجلى أيضا في الإشهار الكاذب و الإشهار الذي يشجع على الاستهلاك المنافي لقواعد الصحة حتى إن منظمة الدفاع عن المستهلك حسبما أفاد به رئيسها سليم سعد الله تدخلت مرارا لإيقاف عمليات اشهارية من هذا النوع.

وجاءت المقترحات في اتجاه مزيد العناية بالرقابة ودعم آليات التعديل المؤسساتي والذاتي ووضع مدونة لأخلاقيات المهنة مع احترام حرية الإبداع في صياغة العمليات الاشهارية.

وذكر هشام السنوسي ممثل الهايكا أن النية تتجه نحو بعث هيكل رقابي وتنظيمي مستقل يضم ممثلين عن كل الجهات المعنية بالإشهار التجاري في تونس بما فيها وسائل الإعلام.

غير أن الواقع للمشهد الإعلاني والإشهاري يؤكد أنه لم يصر إلى تفعيل تلك التوصيات والمقترحات وتنزيلها، خدمة للمستهلك وحماية للمواطنين والفاعلين,

البعد الخفي، الإشهار في تونس: عنصري أم عنصري ”ببراءة“ ؟

إن وصف عنصرية الإشهار التونسي بالبراءة ليس وصفا بريئا، فالإشهار التونسي بجميع أنواعه إمّا هو عنصري، أو هو عنصري بشكل محددّ إجتماعيا، أي “ببراءة” سذاجة النّمط. تكتسي مسألة الإشهار أهمية نظرا لقدرته الرهيبة على التأثير. المواطن التونسي معرّض للإشهار طيلة يومه، و فيما نترك إلى مقالات أخرى قراءة خطورته على المقدرة الشرائية للمواطن، سنركّز في هذا المقال على الدور الذي يلعبه في مزيد ترجيح كفة “الرّجل الأبيض” في الفضاء العام التونسي، فالإشهار يتبنّى هيمنة البيض صوتا وصورة.

 

يبدو أنّ عرض الأزياء في تونس حكر على العارضين البيض، صغارا و كبارا من الجنسين، حيث تخلو اللافتات الإشهارية والومضات التلفزية من العارضين من غير البيض وكأنّ المنتوجات حكر على مجموعة معيّنة والمستهلكين هم فقط من البيض، الذين يرسّخ الإشهار سمتهم كمثال يحتذى به حتى في الملبس .بينما نجح الإشهار في دول أخرى (الولايات المتحدة كمثال) في خلق أمثلة للباس بعيدة عن المثال الأبيض، مثل لباس “الهيب هوب” أو فناني الراب، الذي كسر هيمنة دامت طويلا للموضة البيضاء. يبدو الإشهار في تونس بعيدا كل البعد حتى عن استيعاب وجود سود تونسيين أومن جنسيات أجنبية مقيمين في تونس. فضلا عن ما يبدو كعنصرية “بريئة” فإن مستشهري الملابس في تونس يستبطنون عنصريّة مجتمع يستعمل كلمات مثل “وصيف”، ويبدو هذا سببا يمنعهم من التعاقد مع عارضين سود، وهو ما يتعارض مع التشريع التونسي الذي من المفروض أنه ينص على المساواة وعدم التمييز العرقي.

تمظهر للعنصرية حتى في إشهار المواد الغذائية

وفق تحقيق لموقع نواة، تستفرد شركة دليس دانون بنصيب كبير من الإشهار في تونس، ومضات الشركة ولافتاتها موجودة في كل ركن في تونس، في الشوارع وعلى جدران المحلات والمغازات، الغريب أن كل مستهلكي منتوجاتها حسب الإشهارات المكثفة هم من البيض !كل إشهارات شركة دليس دانون وفيتالي وشركات أخرى تسجّل غيابا كليّا للسود، وهو ما يعتبر ترسيخا واضحا للميز العنصري الممنهج، فيمكن أن تبرّر شركات الملابس غياب العارضين السّود لنقص في عددهم أو لمعايير الجمال النمطي أو لأسباب احترافية بحتة، في حين أن إشهار المواد الغذائية في تونس يؤديه أشخاص عاديون لا يخضعون لمعايير جمالية أو لمعايير احترافية.

إشهار مواد التجميل: عنصرية موجّهة ضد النساء السود

هذا ميدان آخر تتجلى فيه عنصرية الإشهار في تونس، سواء كان الإشهار لمنتوج تجميلي أو صالون تجميل أومدرسة تكوين في مجال التجميل، أو حتى إشهار بسيط لمنتوج تستعمله كل النساء: الفوط الصحية. إن شركات مثل NANA أو LILA و PeauDouce التي تعد الحفّاضات والفوط الصحية من أشهر منتوجاتها لا يمكن أن تتعاقد مع امرأة سوداء، وفي إشهار حفاضات الرّضع لا يمكن أن يظهر رضيع أسود، ليس في الإشهار فقط وإنما على غلاف المنتوج نفسه، هذه الظاهرة لا نراها في دول أخرى. يُوجّه إشهار مواد التجميل العنصري خطابا مباشرا و واضحا: منتوجات التزيين موّجهة حصريا للبيض، وطريقة تزيّن البيض هي المثال الذي يجب احتذاءه.

منتوجات متنوعة والخلاصة واحدة

ما يمكن استخلاصه من الإشهار في تونس هو أنه بلا شك عنصري، يبقى البحث في أسباب عنصريته، هل هي عنصرية ونقص حرفية بالنسبة للشركات المستشهرة؟ أم هو خطأ في تصور الجمال والتنوع من قبل مصممي الإشهار في تونس؟ الأمر -على ما يبدو- هو خليط هجين بين الاحتمالين، حيث يتبنّى كِلا الطرفين تفكيرا مدموغا بعنصرية المجتمع التونسي، ففي حين يتجنّب المستشهر التعاقد مع عارضين سود أو إظهارهم في منتوجاته بسبب تصور عنصري منغلق على خمسينيات القرن الفارط، فإنه بالمقابل يستهدف في إشهاره أغلبية بيضاء تشاطره نفس العقلية والتفكير. يبدو أنّ مصممي الإشهار تقترن عنصريتهم بمعايير الجمال الذي وضعته وصادقت عليه الرأسمالية الاستهلاكية من خلال أيقونات المستهلك الأبيض الأشقر على الطريقة الأمريكية، حيث لا يقيّم جمال السّود بمثل هذه المعايير أصلا .

على مستوى آخر تقدّر نسبة السّود في تونس بـ15%، يعني قرابة المليون والنصف، هل يمكن استحضار مثال لعارض أزياء أو ممثل أو حتى مذيع تونسي أسود ينشط في تونس؟ العدد بلا شك صغير إن لم نقل منعدم، فكيف يمكن تفسير انعدام التوازن بين هذا العدد الكبير وممثليه في ميدان الإشهار وفي الإعلام بصفة عامة؟

يقول بيير بورديو “إن خضوع العمّال والنساء والأقليّات العرقية ليس في أغلب الحالات تنازلا متدبّرا وواعيا أمام القوة الطبيعية للأطر الإدارية للرجال والبيض، بل ينشأ عن التطابق اللاواعي بين سمات أولئك والحقل الاجتماعي الذي يعملون فيه”. وربما يكون هذا مدخلا لفهم العلاقة العكسية بين الإشهار وبعده العنصري .

في حين يتبنى الإشهار العنصرية، يبدو أنه يعمل أيضا كآلة رمزية تصنع من الأبيض رمزا وتمارس عنفا رمزيا، كما يُقولب صورة المجتمع في صورة العارض الأبيض في الإشهار. إضافة إلى هذا يتعمد الإعلام تغييب ما يصطلح على تسميته بـ”الزّرڨ”، كلمة تجمع بين اللّون والطبقة الاجتماعية الفقيرة والمفقرة، وكل من هو ليس على صورة الأبيض الذي تصنعه ماكينة الإشهار وسياسة الدولة نفسها، ممّا يجعل الأبيض مهيمنا في الفضاء العام التونسي ويرفعه كمثال يجب اتباعه لضمان تواصل الوجود في هذا الفضاء. هذا الوضع يخلق هيمنة على السود، ممّا يجعل توجههم لميدان الإعلام والإشهار محدودا للغاية ويساهم في مزيد عزلهم وتغييبهم عن هذه القطاعات. وهذا يخلق نوعا من الاستمرارية في عنصرية الإشهار ويرسّخها في الأذهان .

ما بعد العنصرية : تغييب “الزرڨ

الإشهار في تونس، علاوة على عنصريته، فهو بروباغندا الطبقة المهيمنة، حيث لا يُغيّب فيه السّود فقط، بل كل من هم خارج الإطار الذي ترسمه الطبقة الغنية والنظام الذي في خدمتها .ليس السّود فقط من يتم إقصائهم ووضعهم على هامش الصورة الإعلامية، بل المسحوقين اجتماعيا وخاصة الريفيين، الذين تقترن صورتهم في الإشهار التونسي بالمواد الغذائية والفلاحية، في حين أنهم مغيبين في إشهارات مواد التجميل أو التكنولوجيات[2]، بينما يستفرد البيض بكل ما هو حضري وتكنولوجي. تلوح المسألة للمتمعن فيها عميقة ومتجذرة بطريقة رهيبة في الإشهار: تقسيم للمنتوجات وتوزيع للرموز، توزيع جنسي في مرحلة أولى (ماكياج، أدوات تنظيف نسائية، سيارات، سجائر للرجال) وتوزيع جهوي /عرقي /طبقي في مرحلة ثانية .

صناعة الرموز عن طريق الإشهار هي مسألة متفرعة. في سياق مبسّط يستغرب المواطن التونسي من رؤية مراهق ريفي يستعمل هاتفا ذكيا، المشهد في حد ذاته غير متجانس بالنسبة لعين التونسي الذي قد يرى الريف لأوّل مرة خارج الإشهار ويرسم له صورة عبر مسلسل “الدُّوار”. نجح الإشهار في خلق رمزية مرتبطة بالطبقة الاجتماعية وبالجهات، ويُعزى عدم تجانس المشهد المذكور إلى أن سمت الفتى الريفي مرتبط في أذهاننا باللعب في الحقول أو رعاية الأغنام والسباحة في الأنهار أكثر من استعمال هاتف ذكي، حيث يبقى الهاتف مرتبطا بالفتى الحضري الذي نشاهده في الإشهار .

هذه الرمزية في حد ذاتها تشكل قصورا ذهنيا ونقصا في الخيال عند مصممي الإشهار والمستشهرين، فطالما هناك تقسيم رمزي للسلع يشد ذهن المستهلك إلى وجود صلة قوية بين المنتوج و”بروفايل” مستعمله، فإنه من الصعب أن نخرج بالإشهار من عنصريته وأن نفكّ عزلة أغلبية من الشعب التونسي من “الزرڨ” بكل ما تحمله الكلمة من تعريفات دالة على اللّون والطبقة الاجتماعية والجهة والأصل، الذين لا ذنب لهم سوى أنهم بكل بساطة لا يشبهون من يستطيع دفع أموال كافية لصانع الإشهار، أي صانع الرموز في الفضاء العمومي

خلاصة القول أن قطاع الإشهار، ينتظر الطرح الجدي والمعالجة العميقة بمشاركة مختلف المتدخلين،وبحث الحلول المناسبة لوقف النمو العشوائي المجاوز لحدود العقلانية والمنافسة الشفافة، ومراقبة التضخم المفرط على حساب حقوق المستهلك ورغم أنفه .

مواقع مستعملة:

http://inc.nat.tn

/ https://www.tuitec.com

https://nawaat.org