الرسامة هدى العجيلي: ما يجعل من هويّة المدينة ثوبا يكنس صقيع العالم

23549514_10214295897734290_1590308910_n

في كلّ مرّة يمكننا القول بأنّه بمجرّد التأمّل في التجارب التونسيّة الجادّة سنتأكّد أنّه بالإمكان أن نخرج من ثقافة الاحباط السائدة، وعقلية التشاؤم والعدمية التي تخيّم على وطننا، إذ نتفاجأ يوما بمولد تجربة مهمّة وعالمية، لعلّنا في هذا السياق نلفت النظر إلى تجربة الفنانة هدى العجيلي، بما هي تجربة تجد إقامتها في معادلة خارج الابتذال الفنّي، وخارج منطق السوق وتبضيع الفنّ، وخارج الايديولوجيات العدمية والسافرة المعادية لخصوصيتنا الانسانية. لم تأت هذه التجربة من عدم ومحض، على العكس فمن يعرف هدى العجيلي لا يمكنه أن يتجاهل أنّها من أهمّ مبدعي هذا الوطن وأكثرهم التزاما بأعمالها الفنية وقدرة ونجاعة على ذلك، كما أنّها سيرتها الابداعية وتخصصها الفنّي ورحلاتها المختلفة بين عديد من التجارب العالمية مكنتها الآن من استثمار ذلك الزخم الثقافي الكبير، ودفعتها كي تقدّم لنا معرضها في ثوب ينحاز إلى ما هو نقدي وتجاوزي.

يتأكّد لنا في المعرض الذي تشهده دار الفنون منذ 17 نوفمبر والذي سيمتد إلى حدود 5 ديسمبر، حيث قدّمت من خلاله الفنّانة التشكيلية هدى العجيلي معظم لوحاتها الجديدة في اطار منظورها للمدينة التونسية محلّيا وعالميّا، أنّه صار بالإمكان النظر إلى التجربة التونسيّة لا من تصوّر يقول بعزلتها أو تهميشها أو اقصاءها أو تقوقعها في الحلّي أو ارتهانها لهويّة مأسلبة أو مغتربة. إذ تدفعنا هدى العجيلي إلى عقد مساءلة كبيرة تجاه راهننا الفنّي، بما هو الآن يخرج من حريم المحلّي إلى ما هو عالمي تتناسج فيه ضفائر وإبداعية ومختلفة.

تحت شعار المدينة برؤية مختلفة، تبحث هدى العجيلي عن زاوية جديدة نقرأ من خلالها مدينتنا، زاوية قائمة على التعدد والاختلاف، بما هي تتويج لرؤية تقول بأنّ الفنّ يمكننا بالنظر إلى العالم من زوايا عديدة، عكس أصوات الأصوليات والعدميات المعاصرة التي تخيّم على واقعنا الآني، حيث النظر إلى الأشياء بعين واحدة مطلقة وثابتة ومجرّدة.

ليست المدينة هويّة فارغة من محتواها، وليست معمارا سكنيّا له أبعاده الاجتماعيّة والسياسية والاقتصادية والجغرافية فحسب، على العكس، هي أبعد من ذلك، إنّها حقيقة أنثروبولوجية لشعب ما، لملّة أو فئة سكانية لها ثقافتها ولها رهاناتها المحلّية والعالمية ورؤاها الفنّية، عليه تأتي تجربة هدى العجيلي الآن لتعيد استنطاق المعاني البعيدة لمدينتنا، وتعيد تشغيل دلالاتها في ثوب جديد، من رؤية مفادها أنّنا جميعا معولمون، ولا فائدة من البقاء أو الاقامة في نزاعات الحقول المحلّية أو الهوّوية.

ثمّة إذن في هذا المعرض الذي نزوره، نوعا من تشغيل الهجنة الثقافية، بما هي ترفع من اللوحات التي تتبطّن المدينة وتتجوّفها وتعكسها وتغذّي حضورها بعناصر عالمية وأخرى محلّية، ما يسهّل عملية التئام ثقافات مختلفة تتناسج في ثوب واحد: لا يعدّ هذا الشكل ضرب من نفي أصالة المدينة، بقدر ما هو يشغّل آثارها كي تتفاعل مع آثار ثقافات أخرى، بمعنى الخروج إلى العالمية عبر بوابة الفنّ.

من نلسون مانديلا إلى أبي القاسم الشابي ومنهما إلى كلوديا كاردينال ومنهم جميعا إلى شخصيات أخرى وطنية وعالمية تمّ قذفهم في زمن اللوحات، فإذا بالمدينة تتحوّل إلى نوع من التئام الحضارات، وجراحات الانسانية، وأصوات الحرية، وإذا برموز كبار غادروا الحياة يعلقوا الآن بشراك الذاكرة كطاقة ترميزية كبرى تعيد النقاء والبهاء للعالم: العالم الذي تسيّره اليوم قوافل الدم والخراب وعصر التنكيل بالثورات والفواجع والأصوليات والظلاميات والعدميات.

ليس هذا المعرض وما تضمنه من لوحات حول أغوار المدينة وعوالمها معرض صامت، يطرح ألوانه وطلاسمه ولوحاته بشكل اعتيادي، بقدر ما تحوّل إلى نوع من الفرجة ذات ديناميكية مدهشة وساحرة، فمن حركة المدينة وهواجسها، إلى حركة الصورة الجامدة، الصورة التي توقف الزمن في لحظة تدعونا فيها إلى إعادة قراءة العالم وتصفح راهنه، من منظور لا يعالج الخراب أو الغوائل بقدر ما هو يعيد التفكير في لحظات الأمل، بمعنى أنّه ثمّة ضرب من القول المبطّن بامكانية إعادة السلام لهذا العالم، وإمكانية رفعه إلى معادلة جديدة بالنظر إلى الجميل فيه خارج القبيح، وبالنظر إلى الجليل في متونه وهالته الانسانية بعيدا عن كلّ نزعة تكرّس التشاؤم واليأس والاحباط وفكرة النهايات.

ليس سهلا النظر إلى مدينة عتيقة لها هويتها، وضفائرها، وخصوصيتها، من زاوية تقول بالعالمية، كما ليس سهلا أبدا أن النظر إلى العالمية أو التطلع إلى الانسانية دون الحفاظ على أصالة تلك المدينة أيضا، ضمن هذه المفارقة يمكننا أن نشهد ضربا من النجاح الذي حققته هدى العجيلي في معرضها الدائر الآن، بما هي تعيد تشغيل الهويات في ثوب يقول بتناسجها، إذ ثمّة دائما المشترك بين الثقافات، وثمّة التناسج بينها، هطذا يمكن القول برحلة المحلّي إلى العالمي، بعيدا عن مخاتلات المثاقفة الكولونيالية، وبعيدا عن استثمار ثقافة لأخرى، وقريبا من تجميع شظايا العالم في رسومات تقول بطابع عتيق يغذّي من فكرة النظر إلى الوجود الانسانيّ كما لو أنّه إعادة صياغة للانسانية ولحم لجراحها التي كرّستها سياسات الدمار العالمي.

الشاذلي الهمامي