rc_145440735740_24

جميعنا يتفق إن الاقتصاد التونسي يمر بفترة انتقالية واستثنائية صعبة منذ ست سنوات تعطلت خلالها العديد من الأنشطة الاقتصادية، لكننا بنفس الوقت واثقون إن هذه الفترة هي فترة مؤقتة فرضتها طبيعة التحولات السياسية التي تمر بها تونس وما يستتبعها من تبدلات في البنية الاقتصادية والاجتماعية.

إن علاقتي بتونس والسوق التونسي تعود لبداية الثمانينات، حيث كنت أعمل حينها لدى المؤسسة العربية المصرفية وقدمنا أول تمويل للحكومة التونسية بقيمة 125 مليون دولار، وحقق التمويل نجاحا كبيرا يعكس ثقة السوق العالمي في الاقتصاد التونسي منذ ذلك الوقت. وطوال هذه السنوات ومنذ انضمامي لمجلس إدارة بنك البركة تونس الذي بدأ العمل منذ العام 1983 كانت خبرتي وتجربتي مع السوق التونسي ممتازة، وهذه النظرة العامة أيضا هي التي أتلمسها لدى المؤسسات المالية العربية والعالمية التي نتعامل معها.

وأنا لا زلت مؤمنا إن الاقتصاد التونسي يتمتع بمزايا إستراتيجية كثيرة سرعان من سوف تدعم تعافيه ونهوضه مرة أخرى. وأولى هذه المزايا من وجهة نظري هي المستويات العالية من التعليم والصحة والمهارات التقنية العالية التي يتمتع بها الشعب التونسي حيث ظل لسنوات يحتل مراكز متقدمة في مؤشر التنمية البشرية.

كما احتلت تونس المركز الأول بين البلدان الإفريقية حسب ترتيب “المؤشر العالمي لريادة الأعمال 2017” والمرتبة 42 عالميا لتسجل بذلك تحسنا بـ 20 مركزا مقارنة بالعام الماضي. وتعتبر مرتبة تونس أفضل من إيطاليا والهند والصين وروسيا.

وأصدرت تونس مؤخرا قانون الاستثمار الجديد الذي جاء لدفع عجلة الاقتصاد التونسي وإخراجه من دوامة التباطؤ وذلك من خلال خلق مناخ خصب للمشاريع والأعمال، عبر إزالة الحواجز البيروقراطية أمام الاستثمارات الأجنبية والمحلية، ومنح المستثمرين تسهيلات مغرية.

وفي حين يتوقع المسئولون التونسيون أن يتسع العجز في الموازنة بنهاية 2016 إلى 6.5 بالمئة من 4.4 بالمئة في 2015، فأن النسبة لا تزال تعد مقبولة، كما إن الحكومة التونسية تستعد لتدشين حزمة إصلاحات اقتصادية لخفض العجز من بينها تجميد زيادة الأجور وإصلاحات ضريبية جديدة. كما تشمل الإصلاحات تجميدا لزيادة الأجور العام القادم وتأجيلها لعام 2019 بالتفاوض مع النقابات من أجل تقليص العجز الكبير المتوقع في الميزانية بهدف إنعاش الاقتصاد. كما تخطط الحكومة التونسية لفرض ضرائب جديدة في مطلع العام القادم، حيث تخطط لزيادة في رسوم ترخيص المرور على الطرق واستهلاك العديد من الخدمات الحيوية ومنها الكهرباء والماء والنظافة.

ونتيجة لجملة هذه الإجراءات يتوقع صندوق النقد الدولي أن يبدأ الاقتصاد التونسي بالتحسن الملحوظ عام 2017 بتحقيق نسبة نمو 4 بالمائة على المدى المتوسط. وبينت مؤشرات الصندوق إن نسبة النمو في تونس ستكون في حدود 2.5 بالمائة إلى أواخر 2016، وستقفز في 2017 لمستوى 4 بالمائة، لتصل إلى 5 بالمائة في 2019، ثم تتراجع بصورة طفيفة إلى 4.7 بالمائة في 2020. كما بينت أرقام الصندوق أن نسبة التضخم ستنحصر بين عامي 2016 و2020 في مستوى 4 بالمائة، وهي نسبة وصفها الصندوق بالمطمئنة ويجب العمل على أن تستقر في هذا المستوى. وأوضح الصندوق أن من بين العوامل التي تؤثر على هذه المؤشرات هي الاستقرار الأمني والسياسي، والسلم الاجتماعي، وإعادة نسق الإنتاجية والعمل للتمكن من تقليص الواردات وزيادة الصادرات.

ومن هذا المنطلق فأننا ندعم بقوة المؤتمر الدولي لدعم الاقتصاد والاستثمار المقرر تنظيمه في تونس نهاية نوفمبر الجاري ويهدف إلى تعبئة دولية لرؤوس الأموال ومشاريع الاستثمار كأحد الحلول العاجلة لإنعاش الاقتصاد. وسوف يشارك في المؤتمر عدد من المؤسسات المالية المانحة الإقليمية والدولية وشركاءها الاقتصاديين وفي مقدمتهم بلدان الإتحاد الأوروبي في مسعى إلى تخصيص 60 مليار دولار سيتم رصدها لإنعاش الاقتصاد التونسي من خلال إطلاق مشاريع استثمارية منتجة.

و لا شك إن نجاح هذا المؤتمر سيعطي دفعة كبيرة وقوية للاقتصاد التونسي خصوصا أنه سيتم خلاله عرض الخطة التنموية للسنوات الخمس القادمة التي تهدف أساسا إلى إنعاش الاقتصاد الرقمي وقطاعات الصناعات التحويلية وقطاعات الخدمات، وفي مقدمتها قطاع السياحة الذي تضرر بفعل بعض العمليات الإرهابية. كما سوف يتم عرض عدد من الفرص الاستثمارية في مشاريع منتجة خاصة في قطاعات حيوية بالنسبة للاقتصاد مثل قطاع الخدمات والصناعات والسياحة.