Capture ùù

 

 

 

بقلم غازي عبودة

ناشط بالجمعية التونسية للحوكمة المحلية

 

يُنتظر في القريب العاجل صدور قانون يتعلق بالتصريح بالمكاسب والمصالح وبمكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح بالقطاع العام ولكل كاره للفساد وراغب في تعزيز مكانة مؤسسات الدولة أن يستبشر بهذا النص لما يُمثله من أداة « علمية وعملية » لمكافحة استقواء أصحاب النفوذ للإضرار المباشر وغير المباشر بالمصلحة العامة في سبيل تحصيل موارد مادية أو منافع شخصية أو للغير.

ولكن يقتضي تقييم هذا النص بصفة أقل انطباعية الإلمام بإطاره العام (1) ثم التعرض لأبرز إضافاته (2) قبل الحديث عن بعض النقائص التي شابته أو الصعوبات التي قد تُعيق تنفيذه على الوجه وبالسرعة المطلوبين (3).

الإطار العام

إن هذا النص يُضاف إلى غيره من النصوص التي عرفتها البلاد التونسية منذ جانفي 2011 على غرار:

– المرسوم الإطاري عدد 120 لسنة 2011 المؤرخ في 14 نوفمبر 2011 والمتعلق بمكافحة الفساد والذي عرف الفساد بأنه « سوء استخدام السلطة أو النفوذ أو الوظيفة للحصول على منفعة شخصية. ويشمل الفساد خاصة جرائم الرشوة بجميع أشكالها في القطاعين العام والخاص والاستيلاء على الأموال العمومية أو سوء التصرف فيها أو تبديدها واستغلال النفوذ وتجاوز السلطة أو سوء استعمالها والإثراء غير المشروع وخيانة الأمانة وسوء استخدام أموال الذوات المعنوية وغسل الأموال ».

المرسوم عدد 7-2011 المؤرخ في 18 فيفري 2011 المتعلق بإحداث اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة و الفساد في انتظار إرساء الهيئة الدستورية للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد التي عهد لها دستور 26 جانفي 2014 مهمة تعزيز مبادئ الشفافية والنزاهة والمساءلة إلى جانب رصد حالات الفساد في القطاعين العام والخاص والتقصي فيها والتحقق منها وإحالتها على الجهات المعنية.

– مدونة سلوك وأخلاقيات العون العمومي الصادرة بمقتضى الأمر عدد 4030 لسنة 2014 المؤرخ في 3 أكتوبر 2014 والذي جاء معرفا لمفاهيم كانت تُستعمل بكثرة في الشعارات والخطابات السياسية دون تعريفها بمقتضى نص، ونخص بالذكر المحاسبة وهي خضوع الذين يتولون الوظائف العمومية للمساءلة القانونية والإدارية والأخلاقية إزاء قراراتهم وأعمالهم والمساءلة التي توجب على كل مسؤول عمومي سواء كان منتخبا أو مُعينا تقديم تقارير دورية عن نتائج أعماله ومدى نجاعته في تنفيذها وتضارب المصالح والذي يعني التعارض بين وظيفة العون العمومي في مفهومه الواسع (أي كل من له صلة بتسيير مرفق عام) ومصالحه الشخصية بما قد يُؤثر في اتخاذه للقرار وطريقة تأديته لمهامه والتزاماته.

– القانون الأساسي عدد 22 لسنة 2016 مؤرخ في 24 مارس 2016 المتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة والذي وضح نوعية المعلومات التي يجب على المؤسسات أن تنشرها تلقائيا وتلك التي يتعين إتاحتها بطلب من المعني بالأمر حاصرة الاستثناءات في مجالات ضيقة مرتبطة بالخطر الجسيم الذي يُمكن أن تُسببه.

– الانخراط في مبادرة شراكة الحكومة المفتوحة وهي منتدى دولي يهدف إلى تبادل الخبرات والتجارب الناجحة في مجال الحكومة المفتوحة وعرض مدى تقدّم البلدان المنضوية في إطارها في مجال دعم الشفافية ومقاومة الفساد وتحسين جودة الخدمات العموميّة وتطوير العلاقة بين الإدارة والمواطن وتشريكه في مراحل بلورة السياسات العمومية ودعم استعمال تكنولوجيات المعلومات والاتصال.

ومما لا شك فيه أن كل هذه الترسانة التشريعية تأتي أيضا بُغية استكمال تعهدات الدولة تجاه اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد المصادق عليها بالقانون عدد 16 لسنة 2008 المؤرخ في 25 فيفري 2008 قصد كسب المزيد من الثقة لدى الجهات المانحة والمستثمرين بدليل أن القانون موضوع المقال قد استند في تعريفه للإثراء غير المشروع على هذه الاتفاقية والتي تعتبره « كل زيادة في الذمة المالية للشخص أو لشخصآخر تربطه به صلة تكون غير متناسبة مع موارده ويعجز عن إثبات مشروعية مصدرها ».

والواقع أنّ هذا التوجه نحو إرساء آليات لمكافحة الفساد والتعريف بها لدى المتعاملين مع الدولة أصبح توجها عالميا تؤكده كثرة الاتفاقيات الإقليمية في المجال على غرار الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد التي صادقت عليها تونس بمقتضى القانون الأساسي عدد 73 لسنة 2016 المؤرخ في 15 نوفمبر 2016.

وبما أن هذا القانون سيكون حتما موضوع شرح وتعليق للمختصين في المجال في الأيام القليلة القادمة فإننا لن نتوقف إلا على بعض الجوانب المُجددة فيه مقارنة بالقانون عدد 17 لسنة 1987 المؤرخ في  10 أفريل 1987  المتعلق بالتصريح على الشرف بمكاسب أعضاء الحكومة و بعض الأصناف من الأعوان العموميين أو تلك الجوانب التي قد تطرح صعوبات في التطبيق، حيث أثبتت التجربة أن المشكل ليس في وضع النصوص وإنما في إحكام تطبيقها.

أبرز إضافات القانون:

أول ما يسترعي انتباه القارئ للقانون المذكور هو أن الفصل 5 منه قد عدد أكثر من ثلاثين فئة معنية بالتصريح بالمكاسب وبالمصالح بداية برئيس الجمهورية ومدير ديوانه ومستشاريه وبرئيسي الحكومة ومجلس نواب الشعب وأعضاء الحكومة ورؤساء دوواينهم ومستشاريهم مرورا برؤساء الجماعات المحلية وبكل عون عمومي يتولى مهمة رقابية بهيئات الرقابة وهياكل التفقد الإداري والفني أو القطاعي التابعة للوزارات وصولا إلى كتبة المحاكم ومسيري الأحزاب والجمعيات ورؤساء وأعضاء مكاتب النقابات المهنية …

هذه الكثرة توحي بأن كل المناط بعهدتهم تسيير الشؤون العامة خاضعون لرقابة وقائية تمنع النفس الأمارة بالسوء من استغلال النفوذ للإثراء غير المشروع. وغني عن الذكر ما يُسببه السعي إلى الإثراء غير المشروع من إضرار بالمصلحة العامة تبدأ بتردي خدمات المرفق العام وتنتهي عند تعطيلها أو توظيفها لغير الأهداف التي وُضعت من أجلها. ولهذا، من الواجب التنويه بإضافة فئة وكلاء المؤسسات الخاصة المتعاقدة مع الدولة للتصرف في مرفق عمومي بمقابل من الدولة. فكثيرا ما سمعنا عن مستلزم مرفق عام يستغل النفوذ الممنوح له لتحقيق مكاسب تفوق تلك التي تخولها بنود العقد الذي يجمعه بالإدارة.

إن هذا التبني للمفهوم الواسع للعون العمومي تناغما مع التعريف الذي تبنته مدونة السلوك والأخلاقيات سالفة الذكر يُعطي أمانا أكثر لمستخدم المرفق العام لأنه يشعر أنه بصدد التعامل مع الدولة، هذا الكائن الهُلامي حقا ولكن الذي يُمكن الرجوع عليه عند الاقتضاء ليُوظف جملة الإمكانيات التي أتاحتها له المجموعة بمقتضى ميثاق توافقي في إرجاع الحقوق لأصحابها.

ولعل الضمانة الكبرى لعدم التفصي من استغلال الوظيف أو المنصب لتحقيق مكاسب غير مشروعة عدم جريان آجال سقوط التتبع بالنسبة لجريمة الإثراء غير المشروع إلا من تاريخ اكتشافها وهو ما يُحلّ العقوبة بالمُخالف مهما كان وضعه اللاحق حتى ولو كان متوفيا وذلك بإرجاع المكاسب غير المشروعة وما استتبعها من فوائد لفائدة الدولة. وفي ذلك تكريس للعدالة المُستديمة ولمبدأ الأمان القانوني كما يُريده الشعب حقيقة لا كما تحكمه قواعد لا يعرفها إلا المختصون وصيغ لا يقدر على فك طلاسمها إلا الخبراء.

إن في التشهير بالمُخالف في الصحف وعلى نفقته ردع لكل من تسول له نفسه النسج على منواله ولكن أيضا إشفاء لغليل المتضررين لأن ضررهم قد لا تمحوه العقوبة الشخصية وخاصة المعنوي منه.

أما عن الجانب العلمي أو الرياضي في هذا القانون فتبنيه لمفهوم الإثراء غير المشروع على نحو ما سبق ذكره. بحيث يكفي رصد تطور مكاسب الشخص والأشخاص المحيطين به والنظر في مدى خضوعه للمنطق مقارنة بمداخيله المُصرح بها وسؤاله عن المصدر عند الحاجة. ولا يُغني ذلك من وضع العلاقات التي تجمع الذمة المالية لذلك الشخص بالذمم المالية المحيطة به تحت المجهر قد رصد أيّ انحراف ممكن بغرض تجاوز القاعدة القانونية. ولهذا، أوجب القانون على الأشخاص المعنيين التصريح بمكاسب القرين والأبناء وبالمداخيل الاستثنائية المتأتية من إرث أو هبة …

ومقارنة بقانون سنة 1987 الذي أوجب على بعض الفئات إيداع تصريح على الشرف بالمكاسب لدى دائرة المُحاسبات، يبدو هذا القانون عمليا أكثر. فأن يولي المهمة لهيئة مُكافحة الفساد ويُنشئ علاقة بينها وبين مختلف الإدارات قصد تسهيل عملية التصريح وتبادل المعلومات بخصوص الأطراف المعنيّة به يُعيد للقاعدة القانونية صبغتها الإلزامية بقوة الرقابة لا بدافع الضمير الذي إنما يخضع لتقديرات واعتبارات ذاتية صرفة.

أهم الصعوبات المطروحة أمام تطبيق القانون 

رغم أهميته، يُخلف هذا القانون طرح جملة من الأسئلة نسوق بعضها في التالي:

1/ إزاء هذا العدد الكبير من الأشخاص المعنيين بالتصريح بالمكاسب كثيرة، ما هي الكلفة المُقدرة لتأهيل هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد لتلقي ومُعالجة وحفظ التصاريح وتحيينها وسحبها في وقت معقول وطبقا لإجراءات تضمن سلاسة التعامل مع المعطيات؟ وهل تقدر الدولة على توفيرها أم أنها ستختار أنصاف الحلول في الانطلاق على أمل استكمال المنظومة؟

2/ إذا كان تحديد المكاسب مفهوما ويسيرا، فما المقصود بالمصالح؟ هذه المصالح التي يتعين على عضو مجلس نواب الشعب أن يمتنع إذا استشعر أنه معني بها عن التصويت على مشاريع القوانين. ألا يُعتبر تصويت نائب الشعب الولي على قانون يخص التعليم تصويتا فيه مصلحة؟ هل يُمنع النائب الذي يُصوت على قانون يهم الاستثمار في قطاع معين من خوض تجربة الاستثمار في ذلك القطاع بعد انتهاء مدته الانتخابية؟ …

3/ اشترط  القانون التصريح بمكاسب القرين. أليس في ذلك خرق لحماية المعطيات الشخصية؟ ألا يتعارض هذا مع الأسباب التي تدفع قرينين لاختيار نظام الفصل في الملكية؟

4/ منع القانون الأشخاص المعنيين بالتصريح بالمكتسبات من الجمع بين مهامهم التي مثلت الموجب للتصريح بالمكاسب ومهام أخرى لعل أبرزها عضوية المجالس المحلية المنتخبة. وهنا يُطرح السؤال إن كان في هذا الفصل خرق لحق دستوري يكفل لكل مواطن الترشح لعضوية المجالس المحلية المنتخبة. ثم، من زاوية النجاعة، أليس في ذلك إقصاء للكفاءات من الاضطلاع بالشؤون المحلية وحرمان لهذه المجالس من كفاءات قد تُساعدها في القيام بالدور الموكول لها على الوجه المطلوب؟ أليست الآليات الرقابية التي وضعها هذا القانون كافية لردع المُخالفين حتى في صورة اضطلاعهم بالمهام المذكورة على الصعيد المحلي؟

5/ طالب القانون المسؤولين بالجمعيات والمنظمات والنقابات بإيداع التصاريح بالمكاسب وتحيينها. في كل الأحوال وخاصة لو تكون الإجراءات التي سيتم وضعها من الثقل والتعقيد بمكان، أليس في ذلك تضييقا على أبرز الحريات ممارسة بعد 2011؟

6/ في نفس السياق، أخضع القانون للتصريح بالمكاسب أصحاب المؤسسات الإعلامية والصحفيون وكل من يُمارس نشاطا إعلاميا أو صحفيا. وعلى هذا النحو، هل أكون أنا – كاتب هذا المقال- مطالبا بالتصريح بالمكاسب لمُجرد أنه يعنّ لي أحيانا أن أنشر مجانا مقالا فيه تعبير عن رأيي من مسألة معينة؟ وإذا كانت المسألة كذلك، أليس هنالك تعارض بين هذا القانون والحق في التعبير والنشر؟

لقد كان على المشرع على الأقل إضافة عبارة « بمقابل » أو « بغاية الربح » أو أن يجعل من هذه الممارسة مسترسلة في الزمن.

إن هي إلا خواطر أولية حول القانون المرتقب صدوره لا تنفي الحاجة لمثل هذه النصوص حماية لمؤسسات الدولة من الفساد والمُفسدين دون أن يكون في هذا الموقف أي تحامل على أي فرد ينتمي إلى إحدى الفئات المذكورة بالفصل 5 أو غيرها والمعنية بالتصريح فالأصل دوما حسن النية وبراءة الذمة ونأمل أن لا يثبت خلافها واقعا وتحقيقا لما فيه خير تونس.