هل يجوز عدم العناية بالإرث الأندلسي في الوقت الذي تمتزج فيه شجرة أنساب العديد من التونسيين بشبه جزيرة الأندلس؟ المعروف أنّ أهل الأندلس قد جلبوا إلى تونس في العهد الحفصي الكثير من التقاليد والفنون. وأنّ أوّل مجموعة أطردت من الأندلس من طرف الإسبان قد أقامت في سيدي بوسعيد وذلك تحت حماية واليها في وسط القرن الثالث عشر. لذلك فإنّ هذه القرية السياحية التونسيّة التي تتمتّع اليوم بشهرة عالميّة مازالت تحمل على مستوى الجزئيات الهندسيّة المعماريّة وبالنسبة إلى الأنشطة الحرفيّة آثار التأثيرات الموريسكيّة.

الفن الأندلسي

يجب أن نوضح أوّلا أنّ الفنّ الأندلسي أو الموريسكي ليس نتاجا خاصّا لما تعوّدنا أن نسمّيه الفنّ الأندلسي العربي. إنّه نتاج هجين موروث عن الفنون اليونانيّة ومشبع بالإبداع العجيب للمسلمين ممّن استقرّوا بإيبيريا. وعلى عكس ما نظنّ فإنّ هذا الإبداع قد أصبح ممكنا بفضل التحريم الديني الخاصّ بمنع التمثيل الصوري، كما تيسّر بفضل ولوع العرب بالحسابيات والهندسة.

الزلابية نتاج مورسكي

ليس علينا هنا الاّ أن نذكّر بمثال زرياب الذي هرب من بغداد خشية حسد أستاذه على خبرته بآلة العود ومكث مدّة في القيروان التي فارقها بسبب سوء المعاملة وقصد الأندلس. لكنّ إبداع هذا الموسيقار الشاعر عاد إلينا بفضل وارثيه صانعي الحلويات. فهذا الفنّان الذي اكتسحت ألحانه حتّى الأديرة المسيحيّة كان يعرف باختراع الزلابية وهي نوع من الحلويات محبّبة عندنا والغريب في هذا أنّها ترتبط بالأعياد الدينيّة.

الخزف الأندلسي

الخزف الأندلسي

إنّ الخزف التونسي الذي نما في السنين الأخيرة على نحو ملحوظ لشدّة طلب التونسيين الراغبين في تجميل منازلهم، هو فنّ معروف منذ القدم في بلادنا. ولئن تطوّرت صناعة الخزف في الممالك الآسيويّة منذ آلاف السنين فإنّ فنّ الخزف اقتحم العالم العربي عبر الخلافة الأموية التي ورثت التقنيات المعروفة في الشرق ثمّ انتقل إلى الأندلس من القرن الثاني عشر إلى الرابع عشر ليؤثّر في نهاية المطاف في الفن وفي صناعة الخزف بتونس. في نظر المؤرّخين تطوّرت صناعة الخزف الذي يعكس لونا فلزيا (في الأواني والأطباق والأحواض) في مدن مالقة وبلنسية وإشبيلية وغرناطة وهي التي أعطت الخزف التونسي بفضل الهجرة الأندلسيّة هذا التزويق الملوّن والمواضيع النباتيّة أو الهندسيّة الذي نجدها تطغى خاصّة على الفسيفساء الجدرانيّة، وهو أساسا من وحي فنّ الزخرفة اليوناني أوالبيزنطي. نجد في هذه الفسيفساء رغبة في حشو الفراغات وهو ما يفسّر حسب بعض المعلّقين هذا التكثير من الغصينات والأزهار المفتوحة في أشكال مزخرفة تؤدي بالمشاهد إلى التيه في منعرجات الأرابسك اللاّمنتهية. وتجدر الاشارة إلى أنّ الأشكال الهندسيّة المفروضة في بعض الأحيان على المواضيع نجدها أيضا في فنّ الخطّ الذي سيصبح بمرور السنين في تونس وفي بقيّة البلدان العربيّة فنّا قائم الذّات. وفي هذا المجال، لا يمكن أن ننفي كليّا الإسهام المورسكي في الخطّ العربي والأرابسك بصفة عامة الذي يعدّ من خاصيات الفنّ الإسلامي.

الهندسة المعمارية الموريسكيّة

العمارة المورسكية الجامع الكبير تستور

الحضور الآخر للفنّ الموريسكي في تونس يظهر في هندسة المساجد. أمّا المرجع الذي أوحى بالشكل المدجّن (صفة مسلم إسبانيا الذي أصبح مولى للمسيحيين بعد سقوط الأندلس) فيبقى بلا شكّ جامع قرطبة الذي بني في القرن الثامن الميلادي على أيدي الأمويين اللاجئين إلى إسبانيا والذي استلهم من الرسم المستطيل السوري. فالخصوصيات المعماريّة (عقد كامل بشكل حدوة مركّب بأقواس على شكل وريقات النفل الثلاث المضرّسة، ساحة مدخل تظهر من جناح لاخر رؤى مدهشة في الخفّة) والزخرفيّة (خاصّة في الشكل المربّع الزوايا للصومعة) نشعر بها بسهولة في بعض مساجدنا الأندلسيّة الشكل.

حضور الموسيقى الأندلسيّة

لقد تأثرت الموسيقي التونسيّة أيضا بالموسيقى الأندلسيّة وخاصّة بالموشحات التي تعدّ مدارس حقيقيّة للتعبير الصوتي. ويعتبر المقام منذ القرن الثاني عشر نوعا موسيقيا مرتبطا بالشعر وبقوانينه الشكلية والعروضيّة وهو ينتمي الان إلى مجموعة الموسيقى التقليديّة التونسيّة. فالمقام الذي يتركّب من عدّة طبقات كالرست والوشق والعويج. له مميزات يجب أن يحترمها كلّ موسيقار، كضرورة تأثرّ الفناّن وتحريك الشعور عند السامع. إنّنا ندرك جيّدا أنّ الاسهام المورسكي في تونس يندرج حقّا في نقطة تماسّ تأثيرات منبثقة من الشرق الأوسط تحمل طابع التأثيرات المحلية التي تعجّ بالتقاليد اليهوديّة والمسيحيّة والإسلاميّة وحتّى الغجريّة. من هنا الحضور المشعّ للاسبانيّة في أسماء بعض الأواني وبعض المواد. لتونس إذن هذه الخاصيّة التي تجعلها تحتضن عبر العهود أعمالا حضاريّة تعطيها في آخر الأمر طابعا تأليفيا متميّزا.